بيت جدو

منذُ زمن أفكر بطفولتي كشريط يتألف من ثلاث سنوات لا أكثر، سبع سنوات سبقت الشريط لا أعرفها سوى بصور ملونة مُلتقطة من والدين لم يملكا بهذه الغربة الشاسعة سوى طفلة تدُّب الحياة في بيتهم الصغير.

أحيانًا أتساءل لماذا؟ ثم أدرك أنّ السنين الأولى كانت مُثقلة بالوحدة، طفلة تُلوّن دفترها مع خلفية موسيقية من أغاني طيور الجنة، ثم تُخرج ألعابها لتلعب بصمت مُطبق، وحين يلمع بذهنها تساؤل، لا يتحمّل اندفاع الأسئلة سوى والديها.

كانت المحلات التجارية كبيرة، وألعاب الملاهي تفوق حجمها عشرات المرات، لكنّها لم تكن يومًا كافية لها، إلى أن أدركت أخيرًا “حوش” بيت الجد، تلك المساحة التي عرّفتها بنفسها ومنحتها بداية الإجابات، أعطتها بدايات الاستقلالية، أن تنظر للحارة وتعلم أنها تستطيع المشي فيها دون يدًا تُمسكها بإحكام، آه يالجمال الحرية!

الأطفال من عمرها يلعبون، يتحدثون، يشاغبون، يتعلّقون بكل حديدة يرونها، ويسألون يسألون يسألون، أخيرًا! أحدهم يشاركها الأسئلة العفوية التي لا تمّت لعالم الكبار بصلة، جدو يغرّقها بأكياس “التشكيلة” حين لم تكن الشوكولاتة من الممنوعات بعد، ويترك لها الليرات العشر على طاولة التلفاز كل صباح.

الكبار يتهافتون عليها، تنظر لهم بأطوالهم الشاهقة مستغربة، فيبادلونها الاستغراب لأنها كبرت كثيرًا بعيدًا عنهم، يحملونها على ظهورهم، يُضاحكونها ويضحكون معها، لقد عرفت ما معنى الأقارب أخيرًا، ما معنى أن ننتظر نهايات الأسابيع لأنها ساعات من السعادة الخام التي لايُكدّر صفوها شيء، ساعات ندور فيها بالحارات لا نتعب، نشتري الألعاب النارية لنحتفل بهذه الطفولة الحية، لنُدرك أنّ لا صمت بعد الآن، لا وحدة بعد الآن.

دليل

لأنّ الوقت يزحف لمكانٍ أجهله، لأنّ هذا البطء يقتلني، أضع الصور في مواقع التواصل الاجتماعي المهجورة، لأتذكر أنّ اللحظة مضت ولم تكن سرمدية.

أمقت الفكرة الأرسطية للزمن، تخبرنا أنّه لا يوجد إلا عندما يحدث شيء، وأنا في هذه الليلة، لا أرى أيًا من الأحداث، السكون يسحب هواء الغرفة، أنتظر عقرب الساعة ليتحرك، هل هذا زمن يمضي؟ إن كان لا يمضي فإني سأمضي بدلًا عنه.

صباح الخير

في هذا الصباح خرجتُ من البيت مُبكّرة، مِمّا منحني فرصة اللحاق بالمشهد الأفضل.. مشهد ولادة يوم آخر، ها هم أصحاب المحلات يرشقون المياه على الأرصفة، يمنحونها فرصة البدء من جديد، يُزيلون آثار الأمس بكل قذاراته، مشهد صافي يُذكرني بمشهد آخر، حين تساءلت فيروز “إيمتى بيطلع الضو؟” فأُجيبت بـ”بس يجوا الكنّاسين بيكون راح يطلع الضو”.. هكذا تُصنع الصباحات، يخلقها العاملون المُجهدون فلا تُشرق إلا بأياديهم، فيطلع الصباح لأجلهم فقط.

استدراج

تراكم الأيام يهدرُ الدموع، حتى تنتهي عند لحظة معينة.. ليس بانتهاء الحُزن بل من الضجر.

قد يغدو البُكاء كولادةٍ عسيرة لصحراء، أصبحت الواحة حاجة ملحّة وضرورية لها، وليست مجرد زينة.

تخيَل أنّي أعتصرُ هذا الجسد بكل عضوٌ فيه بُغية دمعة واحدة، دمعة واحدة تُطفئ هذا اللهيب، لكنّها تأبى أن تأتي وتريحني.. ألعنُ الأيام التي تكبرت فيها على دمعي المتدفّق

Hay making _Jules Bastien-Lepage

ليل وأوضة منسيّة

غُرفة بأربع جُدران، ثلاثة بيضاء، وواحد يزيّن بياضُه القليل من الرمادي.. هذه غُرفتي

أحيانًا تضيقُ علي حتى تكاد الدمعة لا تجد مكانًا لسقوطها، وأحيانًا تكون واسعة قادرة على استيعاب قلبي الكبير عندما يسعَد

أعدّ قفزات اخوتي الصغار عوضًا عن الخِراف، أشعرُ بالدوران، ثم أغفى من التعب

أحيانًا أستيقظُ فزعة فأتلمّس الأشياء من حولي، أتأكد أنّها هنا، أُطالع بوجهي الصغيرين، وأتأكد أنّ العالم لم ينتهي بعد.

أعلمُ في قرارة نفسي أنّي سأجد ثوابت أخرى أستدلُّ بها على وجودي في السنوات القادمة، ستتغير الوجوه التي أُطالعها ليلًا، سيتغير مكان الأشياء، لكنّي سأستيقظ يومًا وأجد العالم في غير مكانه، وسأعرف في تلك اللحظة أنّ خطأي الأكبر.. هو أنّي لم أبحث عن وجهي قط!

-سميرة مهجع ١٦/٢/٢٠٢٠م

أبيض

هذا البياض الذي يكتسح الأرجاء يُربكني، المستشفيات تحتفي بمواسم المرض بالأبيض، تدهنُ الجدران بالأبيض، تُلبِسُ الأطباء الأبيض، يكسو المرضى وجهًا ابيّض من السقم.

أمقتُ الأيام التي تجمعني بالمُستشفيات، دخلتُ عند الطبيب لأُريه أُذني المُشتعلة على الدوام، “مُجرد حساسية لا خوف منها” يقول الطبيب، تجزمُ أُمي أنهُ طبيبٌ غير جديرٍ بالثقة، نحنُ نحتاج لـ “أكشن” دماري يُشعِّل الأرجاء حتى نشعُر بالرضا.

أحضرتُ معي كتابين لأهرُب من نظرات غُرف الانتظار، أحدهُما كان على وشك الانتهاء، والآخر على وشك البدء، واتضَح أنّ ما يجمع الكتابين هو كلمة “قاءت”.. اممم القيء، مُناسب جدًا.

خرجتُ من المستشفى فاصطدمتُ ببداية الجو الحار والرطب، ها قد عُدنا مُجددًا، ورغم ذلك أُصِّر على أن أصِلَ للبيت مشيًا على الأقدام، تتهافت السيارات مستوقفتني بالسؤال المُعتاد “توصيلة؟” لا أعلم كيف يستطيع البشر تحويل نشاط صحي ومُمتع كالمشي لخطيئة تحتاج أن نستُرها بتعتيم السيارات.

أمُر على والدي أولًا بمكتبته القديمة، أرى أُختي الصغيرة جالسة كجلستي قبل عشر أعوام، نفس الإيماءات.. هذا لا يُبشِّر بالخير أبدًا، أُشيح بوجهي بعيدًا.

بعد أن وصلت مُنتصف اليوم، أستطيع أن أكتبُ النصف المتبقي قبل أن أعيشه، فأنا أحفظ يوم السبت الكئيب بكُل ما فيه من كتبٍ وأقلام ومهام.

لو كانت صديقتي “صافية” مكاني لما تشكّت كما أتشكّى أنا.. مسكينة صافية.